مقالات رأي
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ
وحدة البحوث والدراسات بمركز واعظ

اعلانات

تصويت
كيف ترى شكل الموقع؟


تصويت نتيجة

اعلانات


أسماء الله الحسنى
اسم الله "الخبير"

اسم الله "الخبير"

 

جاء اسم الله "الخبير" في كثير من الآيات مقترنًا بغيره من الأسماء الحسنى؛ فقد جاء مقترناً باسم الله الحكيم؛ كقول الله -تعالى-: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:18]، ومقترنا باسم الله العليم، قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35], ومقترنًا باسم الله اللطيف؛ كما في قوله -تعالى-: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللطِيفُ الخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، ومقترنا بالبصير؛ كقوله -سبحانه-: {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء:17].

 

والخبير لغة: يُطلق على العارف بالشيء العالم بحقيقته وبتفاصيله, والخبير -سبحانه- هو المنفرد بالعلم وحده، قال ابنُ جرير: "العليمُ بسرائِرِ عبادِهِ وضمائِرِ قُلوبِهم، الخبيرُ بأمورِهِم الذي لا يَخفَى عنه شَيءٌ"(تفسير الطبري:12-151), وقال ابن القيم: "الخبير: الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها"(الصواعق المرسلة:2-492).

 

فلا يخفى على الخبير -سبحانه- شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يتحرك متحرك ولا يسكن إلا بعلمه، ولا تستقيم حياة أي شيء إلا بأمره، قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34], ولا يجري شيء في الفلك والملكوت إلا والخبير يعلمه، قال -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:73].

 

واسم الله الخبير يدل تمام العلم والخبرة والإحاطة بتفاصيل الأشياء، قال -تعالى-: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} [الكهف:91]؛ أي: إحاطة تامة بما كان لدى ذي القرنين من قوة وجنود وإمكانات وآلات وخبرة، وغير ذلك من أسباب النفوذ والملك والغلبة والسلطان, وقد ذكر الله كمال علمه بخلقه وإحاطته بهم، فقال -عز وجل-: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك:14].

 

وهناك اجتماعٌ بين العليم والخبير من حيث أنهما تضمنا علم الله -تعالى- المحيط بكل شيء, ولكن الخبير أدق من حيث علمه بخفايا الأمور, قَالَ الْغَزَالِيُّ: "الْعِلْمُ إِذَا أُضِيفَ إِلَى الْخَفَايَا الْبَاطِنَةِ سُمِّيَ خِبْرَةً وَسُمِّيَ صَاحِبُهَا خَبِيرًا" (المقصد الأسنى؛ للغزالي:103)، وقال الشيخ ابن عثيمين: "الخبرة هي العلم ببواطن الأمور، والعلم بالظواهر لا شك أنه صفة مدح وكمال، لكن العلم بالبواطن أبلغ؛ فيكون عليم بالظواهر، وخبير بالبواطن، فإذا اجتمع العلم والخبرة صار هذا أبلغ في الإحاطة، وقد يقال إن الخبرة لها معنى زائد عن العلم، لأن الخبير عند الناس هو العليم بالشيء الحاذق فيه، بخلاف الإنسان الذي عنده علم فقط، ولكن ليس عنده حذق، فإنه لا يسمى خبيراً، فعلى هذا يكون الخبير متضمناً لمعنى زائد على العلم"( تفسير الحجرات – الحديد؛ لابن عثيمين:59).

 

أخي المسلم: اعلم أن من آمن بأن الله خبيرٌ بأحوالِهِ وتفاصيله كلها؛ احترز في أقواله وأفعاله، وحاسب نفسه عن كل صغيرة وكبيرة, واستشعر مراقبة الله له في جلواته وخلواته؛ فلا يحب أن يطلع الله من سره إلا ما هو أحسن منه جهرة.

 

فلتحذر -أيها المؤمن- أن تكون ذنوبك سبباً في هلاكك يوم القيامة, قال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هَبَاءً مَنْثُورًا" قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ, وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا". (رواه ابن ماجه:3442, وصححه الألباني).

 

وينبغي للمسلم الموقن بعلم الله وخبرته المحيطة بكل شيء أن يطمئن لاختيار الخبير -تعالى- والثقة به؛ فإن أثر اسم الله الخبير في سلوك العبد يتمثل في اعتماده على اختيار ربه في كل صغيرة وكبيرة من أمره؛ فطالما آمن العبد بأن الله هو الخبير سلّم له في جميع شؤونه، وهذا شأن أهل الإيمان أن يسلموا إليه أمورهم؛ ثقةً في كمال تدبيره.

 

كما ينبغي للمسلم أن يحرص على أن يتجلى اعتماده على اختيار ربه في كل صغيرة وكبيرة من أمره؛ فيجعل حوله وقوته، واعتماده وثقته وتوكله على ربه الحكيم الخبير، فيستخير الخبير -سبحانه-، ويرضى بما اختاره له.

 

لقد حث النبي -صلى الله عليه وسلم- كل عبد مؤمن على استخارة الخبير -تعالى-, عند إقدامه على أمر مستقبلي لا دراية له بعاقبته؛ كسفرٍ أو زواجٍ أو وعمل أو غير ذلك، قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُعَلِّمنا الاستخارةَ في الأمورِ كلِّها، كما يعلِّمنا السورةَ من القرآن، يقول: "إذا هَمَّ أَحَدُكُمْ بالأمر فَلْيَرْكَعْ ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللَّهُمَّ إني أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ من فَضْلِكَ الْعَظِيمِ؛ فإنك تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ ولا أَعْلَمُ، وأنت عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فإنْ كنتَ تَعْلَمُ هذا الأَمْرَ ويسميه باسمه خَيْرا لي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أمري فَاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه، اللَّهُمَّ وإنْ كنتَ تَعْلَمُه شَرًّا لي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أمري فَاصْرِفْنِي عنه، وَاصْرِفْهُ عني، وَاقْدُرْ لي الْخَيْرَ حيث كان ثم رَضِّنِي به" (رواه البخاري:7390).

 

لِيوقنِ المؤمنُ أنه مكشوف أمام الله، لا تخفى عليه منه خافية؛ فيراقبه في جميع أحواله وخواطره؛ بتهذيب سره وتطهير باطنه، ويخلص أعماله لله وحده.

 


اسم الله " الجميل"

اسم الله " الجميل"

 

إن من أسماء الله -جل جلاله- "الجميل"، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قَالَ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ", قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟!. قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ"(رواه مسلم:91).

 

وجمال الله -تعالى- يشمل جمال الذات والصفات والأفعال, ويكفي في بيان كمال جماله -سبحانه- ما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام: في وصف ربه -سبحانه- بقوله: "حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ -أي: أنواره- مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ" (رواه مسلم:179).

 

قال ابن القيم:

وهو الجميل على الحقيقة كيف لا *** وجمال سائر هذه الأكوان

مـن بـعض آثار الجميـل فربـهـا *** أولى وأجدر عند ذي العرفان

فـجـمـالـه بالـذات والأوصـاف *** والأفعال والأسماء بالبرهـان

(نونية ابن القيم:203)

 

قال الشيخ الهراس: "وأما الجميل فهو اسم له -سبحانه- من الجمال، وهو الحسن الكثير، والثابت له -سبحانه- من هذا الوصف هو الجمال المطلق، الذي هو الجمال على الحقيقة؛ فإن جمال هذه الموجودات هو من بعض آثار جماله، فيكون هو -سبحانه- أولى بذلك الوصف من كل جميل؛ فإن واهب الجمال للموجودات لا بد أن يكون بالغا من هذا الوصف أعلى الغايات, وهو -سبحانه- الجميل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

 

أما جمال الذات: فهو ما لا يمكن لمخلوق أن يعبر عن شيء منه أو يبلغ بعض كنهه, وحسبك أن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم وأفانين اللذات والسرور التي لا يقدر قدرها، إذا رأوا ربهم, وتمتعوا بجماله؛ نسوا كل ما هم فيه، واضمحل عندهم هذا النعيم, وودوا لو تدوم لهم هذه الحال، ولم يكن شيء أحب إليهم من الاستغراق في شهود هذا الجمال، واكتسبوا من جماله ونوره -سبحانه- جمالا إلى جمالهم، وبقوا في شوق دائم إلى رؤيته؛ حتى إنهم يفرحون بيوم المزيد فرحا تكاد تطير له القلوب.

 

وأما جمال الأسماء: فإنها كلها حسنى, بل هي أحسن الأسماء وأجملها على الإطلاق؛ فكلها دالة على كمال الحمد والمجد والجمال والجلال, وأما جمال الصفات: فإن صفاته كلها صفات كمال ومجد, ونعوت ثناء وحمد, بل هي أوسع الصفات وأعمها, وأكملها آثارا وتعلقات.

 

وأما جمال الأفعال: فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويشكر, وبين أفعال العدل التي يحمد عليها لموافقتها للحكمة والحمد؛ فليس في أفعاله عبث ولا سفه ولا جور ولا ظلم, بل كلها خير ورحمة ورشد وهدى وعدل وحكمة"(شرح النونية؛ للهراس:2-64).

 

أخي الحبيب: إن مقتضى إيمانك باسم الله "الجميل" أن تلازم كل خلُق فاضل جميل، وبهذا أمر الله عباده؛ ففي موضع الصبر قال -سبحانه-: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج:5], وفي الصفح يأمر الله -تعالى- نبيه بقوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85], وحتى في الأمور التي نظن فيها الحزم والشدة يقول -تعالى-: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10], وهو الهجر الذي لا أذية فيه, وفي الفراق بين الزوجين يأتي الأمر الإلهي بالإحسان للمرأة حتى حال مفارقتها: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49]؛ أي: طلاقاً لا أذى فيه ولا ضرر على المرأة.

 

والله -تعالى- يحب من عبده التجمل المشروع في غير إسراف ولا بطر ولا كبر, قال -تعالى-: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 31-32], قال اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " كُلوا واشرَبوا وتَصَدَّقوا والبَسوا في غيرِ مَخيلَةٍ ولا سَرَفٍ إنَّ اللهَ يُحِبُّ أن تُرَى نِعمَتُه" (رواه أحمد:10-178، وصححه أحمد شاكر).

 

وإذا كان مطلوب من المؤمن جمال ظاهره؛ فإن جمال الباطن أولى بأن يتعهده الإنسان, فأفضل ما ينبغي للمؤمن أن يتفقده قلبه؛ فليس الجمال الذي يمدح صاحبه هو جمال الشكل والصورة, وإنما جمال الأخلاق ونقاء السريرة, وطيب العشرة.

 

 لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ *** فاعْلَمْ، وإِنْ رُدِّيتَ بُرْدَا

إِنَّ الجَمالَ مَعادِنٌ *** ومَناقِبٌ أَوْرَثْنَ حمدَا

 

ولتشتاق نفوسنا إلى نعيم الجنة وجمالها, فكل نعيم وجمال في الدنيا لا يساوي شيئاً عند نعيم وجمال الآخرة, وكيف لا تشتاق نفسٌ إليها وفيها كل شيء قد بلغ الغاية في الحسن والجمال؟! وأعظم جمالٍ فيها رؤية الجميل -سبحانه-, ولذة النظر إليه, {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23], فاسألوا الله النظر إلى وجهه -تعالى-، فقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يدعو الله ويقول: "وأسألك لذَة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك"(رواه النسائي:1305، وأحمد:18351، وصححه الألباني).

 

وإن جمال الجنة لا يدرك إلا بالصبر عما حرم الله من جمال الدنيا؛ فعلى المسلم أن يغض بصره عما حرم الله عليه, وعلى المسلمة فوق ذلك أن لا تتباهى بجمالها أمام الناس؛ فتظهر ما يجب عليها ستره من جمال.

 


اسم الله "الشكور" و"الشاكر"

اسم الله "الشكور" و"الشاكر"

 

واسم الله الشكور ورد في القرآن الكريم مقترنا مع أسماء معينة من أسماء الله الحسنى؛ لتعطي دلالات عن معنى اسم الله "الشكور"؛ فقد اقترن باسم الله "الغفور" ثلاث مرات, منها قوله -تعالى-: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:34], وهذا يفيد أنه غفور لمن عصاه، شكور لمن أطاعه؛ فهو غفور يغفر الكثير من السيئات، ويضاعف القليل من الحسنات.

 

واقترن اسم "الشكور" باسم الله "الحليم" مرة واحدة في قوله -تعالى-: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن: 17]، وهو يفيد أنه شكور يثيب من أطاعه بأضعافٍ مضاعفة، حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة؛ بل يمهله ولا يهمله، ويصفح ويتجاوز عن الذنوب والسيئات.

 

وأما اسمه -تعالى- "الشاكر" فقد ورد في موضعين مقترنا باسم الله العليم, وهما في قوله -تعالى-: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147], وفي قوله: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158], وكان الله شاكرًا لمن يشكره على نعمائه له، عليمًا بالطائع من العاصي, والشاكر من الجاحد.

 

قال السعدي: "الشكور لا يضيع أجر من أحسن عملا, بل يضاعفه أضعافاً مضاعفة بغير عدٍ ولا حساب، ومن شُكره أنه يجزي بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد يجزي الله العبد على العمل بأنواع من الثواب العاجل قبل الآجل، وليس عليه حق واجب بمقتضى أعمال العباد, وإنما هو الذي أوجب الحق على نفسه كرماً منه وجوداً".

 

وعطاء الله يليق بعظمته وبملكه, عطاء ليس له حد ولا عد؛ فالحسنة بعشرة أمثالها, وهذا العرض والعطاء لا يوجد إلا عند مالك الملك -سبحانه-؛ فهو يرزق وينعم دون منة ولا عوض؛ فلا يطلب عليه مقابلاً, يرزق البر والفاجر، وينعم على عبده وإن عصاه، بخلاف البشر يعطون ثم يمنون, وإذا عصيتهم منعوك، أما الشكور فمهما قدمت من قليل لابد أن يشكرك عليه ويضاعف لك الشكر أضعافاً مضاعفة: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [الشورى: 23].

 

هو الشاكر -سبحانه- لمن أقبل عليه؛ يرفع قدره ويحسن عاقبته ويثني عليه، عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ"(رواه البخاري:652، ومسلم:1914).

 

أخي الحبيب: إذا فقه المؤمن معاني اسم الله "الشكور" توجَّب عليه أن يقوم بمقتضى هذه العبادة العظيمة، وإن من أعظم الشكر لله على نعمه تحقيق التوحيد الخالص له -سبحانه-، وصرف جميع العبادة له وحده، وامتثال أمره واجتناب نهيه، وتعظيمه والثناء عليه بما هو أهله، وصرف نعمه في مرضاته.

 

إذا كان الله الشكور الشاكر يقبل القليل من العمل ويعطي الكثير من الثواب مقابل هذا العمل القليل؛ فإن حظ المؤمن من هذا ألا يستصغر شيئاً من أعمال البر، ولا يحقر من المعروف شيئاً، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تحْقِرَنَّ من المعرُوفِ شيْئًا، ولوْ أنْ تلْقَى أخاكَ بوجْهٍ طلْقٍ" (رواه مسلم:2626), حتى تبسمك في وجه أخيك صدقة، والكلمة الطيبة منك صدقة، وفي الحديث: "اتّقُوا النّارَ ولَو بشِقّ تَمرَة فمَن لم يجِدْ شِقّ تَمرَة فبكَلِمةٍ طيّبَة" (رواه البخاري:6539، ومسلم:1016)، فلا تحتقر من العمل شيئًا مهما صغر.  

 

والناس مع نعم الله -سبحانه- بين شاكر ذاكر وكافر غافل، وأكثر الناس عن شكر نعم الله غافلون, {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [غافر:61]؛ وذلك بسبب غياب فقه أسماء الله وصفاته والعلم بمقتضياتها ومعانيها، ولو فقهها العباد لوجب عليهم أن يشكروا الله على كل نعمة.

 

وشكر النعم بالقيام بواجب العبودية للشكور -سبحانه-، والشكر لله يكون بالقلب وهو تصور النعمة، واللسان وهو الاعتراف بها، والجوارح وهو الاستعانة بها على طاعته، قال رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"(مسلم:2999), وعن الْمُغِيرَةَ -رضي الله عنه- قال: قام النبيُّ -?- حتى تورَّمَتْ قدَماه، فقيل له: غفَر اللهُ لك ما تقدَّم من ذَنْبِك وما تأخَّر، قال: "أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا"(رواه البخاري:4836، ومسلم:2819).

 

ومن شكر الله أن نشكر الناس على إحسانهم, فكثير من الناس لا يحسنون أن يشكروا خلق الله على صنائع المعروف والإحسان، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ" (رواه أبو داود:4811، وحسنه الألباني).

 

علينا أن ندعو الله الشكور بهذا الاسم ونجتهد في الدعاء به؛ لأن شكر النعم يحتاج إلى إعانة وتوفيق من الله -تعالى-؛ فقد ورد عن سليمان -عليه السلام- أنه قال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} [النمل:19], وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: "يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" (رواه أبو داود:1522، وصححه الألباني).

 

نسألك يا الله العون على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك, وعمل ما يرضيك عنا.

 


العليم العالم علام الغيوب

العليم العالم علام الغيوب

 

"العليم, العالم, علام الغيوب" من أسماء الله الحسنى, ورد اسم الله -تعالى- العليـــم في القرآن الكريـــم 157 مرة, وفي هذا دليل على عظم أهميته وأثره على المؤمن، وقد قرن الله بينه وبين بعض الأسماء الحسنى؛ كالحكيم, قال -تعالى-: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:100], والسميع قال -تعالى-: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:13], والعزيز قال -تعالى-: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام:96], والخلاق قال -تعالى-: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [الحجر:86], والفتاح قال -تعالى-: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ:26], والواسع قال -تعالى-: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261].

 

واسمه -تعالى- علام الغيوب ورد في أربع آياتٍ منها:  قوله -تعالى-: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [التوبة:78]، وهذه صيغة مبالغة تدل على سعة علم الله -سبحانه-, وأما عالم الغيب فقد ذكر في القرآن ثلاث عشرة مرة, منه: قوله -تعالى-: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد:9], وقوله -تعالى-:{ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [السجدة:6].

 

أحاط العليم -سبحانه وتعالى- علمًا بجميع المعلومات؛ عليمٌ بما كــــان، وما هو كــائن، وما سيــكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون, قال -تعالى-: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس:61], أحـــاط علمه -سبحانه- بجميع الأشياء؛ ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها, الغيب منها والشهادة, {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام:59].

 

يقول ابن القيم:

وَهُوَ العليمُ أَحَاطَ عِلْماً بِالَّذِي *** في الكونِ مِنْ سِرٍّ ومنْ إِعْلانِ

وبكلِّ شَيْءٍ عِلْمُهُ سُبْحَانَهُ *** فهوَ المحيطُ وليسَ ذا نِسْيَانِ  

وكذاكَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ غَداً وما *** قدْ كانَ والموجودَ في ذا الآنِ

وكذاكَ أَمْرٌ لمْ يَكُنْ لوْ كانَ كيـ  *** ـفَ يكونُ ذاكَ الأمرُ ذا إِمْكَانِ

(نونية ابن القيم:204)

 

أخي الحبيب: ليكن لعلم الله -تعالى- أثرٌ على إيمانك وسلوكك, ولتطمئن نفسك إلى ما قدره الله -سبحانه- عليك؛ فإنه لا يأتي منه -تعالى- إلا الخير؛ لأن الله -عزَّ وجلَّ- عليم عـــالم بكل شيء وهو الحكيـــم -سبحــــانه- فيما قضى وقدر.

 

كل شيء تفعله يعلمه الله -تعالى-, سواء كنت في ظلمة أو في جهار, أو ليل أو نهار، سواء كنت في خلوه أو جلوة؛ فالله يعلم ما أنت عليه {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد:19], سواء كنت ملتحفاً أو كنت أيضاً عرياناً فالله يعلمك، {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود:5], حتى الأشياء التي تخفيها في صدرك هي في علم الله علانية؛ لأنه -تعالى- {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه:7], وإيمانك بعلم الله -تعالى- يقتضي منك مراقبة الله في جميع حركاتك وسكانتك, أقوالك وأفعالك, سرك وعلانيتك.

 

يقول الله -سبحانه- مبيناً سعة علمه, وأنه يستوي فيه السر والجهر: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد:10], الكل يستوي في علمه -تعالى- مَنْ أخفى القول منكم ومَن جهر به، ويستوي عنده مَن استتر بأعماله في ظلمة الليل، ومن جهر بها في وضح النهار؛ فأين تذهب من علم الله -سبحانه-, وأين ستختفي؟!.

 

إن العمل بهذا الاسم يجعلك تعبد الله -عز وجل- كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك, وهذه هي مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين, قال جبريل -عليه السلام- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (رواه البخاري:50، ومسلم:9), {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[الحديد:4] من علم حقاً أن الله معه أينما كان؛ انتبه لكل حركة وسكنة، وقول وفعل يصدر منه, وحاسب نفسه في الدنيا؛ لأنه يعلم أنه سيحاسب عليها كلها أمام الله العليم يوم القيامة.

 

والعلم بالله يورث خشيته على الدوام, وكلما كان الإنسان بالله أعلم كان له أشد خشية؛ لقوله -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28], ويورث العلم بالله أيضاً خلق الحيـــــاء الذي هو من الإيمان؛ فعندما يعلم العبد أن الله -سبحانه- يعلم سره وعلانيته لا يخفى عليه شيء سيستحيي من ربِّه أن يطلِّع عليه فيجده في عمل يكرهه.

 

نسأل الله أن يرزقنا خشيته بالغيب والشهادة, ودوام مراقبته, والعلم به -سبحانه-.

 


اسم الله "البصير"


اسم الله "البصير"

"البصير" من أسماء الله الحسنى ، قال -تعالى-: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:61], وقال -سبحانه-: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر:20], وعن أبي موسى الأشْعري -رضي الله عنه- قال: "كنَّا مع النَّبي في سفَر، فكنَّا إذا علوْنا كبَّرنا، فقال النَّبيّ: أيُّها الناس، ارْبَعُوا على أنفُسِكم؛ فإنَّكم لا تدْعون أصمَّ ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا بصيرًا"(رواه البخاري:6384، واللفظ له، ومسلم:2704).

 

ومعنى "البصير": هو الذي يبصر الأشياء كلها؛ ظهرت أو خفيت, دقت أو عظمت, أحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسموات؛ فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها، وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها.

 

قال ابن القيّم:

وَهُوَ البَصِيرُ يَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السْـ *** سَوْدَاءِ تَحْتَ الصَّخْرِ وَالصَّوَّانِ

وَيَرَى مَجَارِي القُوتِ فِي أَعْضَائِهَا *** وَيَرَى عُرُوقَ بَيَاضِهَا بِعِيَانِ

وَيَرَى خِيَانَاتِ العُيُونِ بِلَحْظِهَا *** وَيَرَى كَذَاكَ تَقَلُّبَ الأَجْفَانِ

 

والله -تبارك وتعالى- بصيرٌ بأحوال عباده، بصير بِمَن يستحقُّ الهداية منهم ممَّن لا يستحقُّها، بصير بمن يصلح حاله بالغِنَى والمال وبمن يفسد حاله بذلك, قال -تعالى-: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى:27], وهو بصير بالعباد شهيدٌ عليهم، الصَّالح منهم والفاسق, قال -تعالى-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [التغابن:2]، بصير بأعمالِهم وذنوبهم, قال -تعالى-: {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء:17]، وسيَجزيهم عليها أتمَّ الجزاء.

 

أخي المسلم: إن معرفة العبد بربه, وإيمانه بسمعه وبصره تجعله يدرك رقابة الله -تعالى- عليه في كل حال؛ ولذا تراه يِحفظ الجوارح وخطرات القلوب من الذنوب والمعاصي, وعن كلِّ ما لا يُرْضِي الله؛ لعلمه بأن الله يراه في كل وقت وحين, ولله در القائل:

إذا ما خلوت الدهرَ يوما فلا تقل *** خلوتُ ولكن قل:عليَّ رقيبُ

ولا تحسبن الله يغفلُ ساعةً *** ولا أنَّ ما تُخفي عليه يغيبُ

 

فمن عَلِم أن ربَّه بصيرٌ مُطلعٌ عليه استحى أن يراه على معصية أو في ما لا يُحب، قال -تعالى-: {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء:17]، ومن عَلِم أن الله يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربِّه؛ لعلمه أن ربَّه من فوق عرشه بصير بعبادته مطلع على إخلاصه ونيته، قال -تعالى-: {وَقُل اعْمَلوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلكُمْ وَرَسُولهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عَالمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلونَ} [التوبة:105].

 

وإذا داوم العبد على تلك المراقبة، بلغ أعلى مراتب الإيمان، كما جاء في حديث جبريل -عليه السلام- عند ما سأل النبي: "ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (رواه البخاري:50، ومسلم:9).

 

وإذا كانت المعرفة باسم الله "البصير" من شأنها أن تصل بالعبد إلى مقام الإحسان, فإن هذا الأخير يورّث عند العبد حبّ الإتقان في كل عمل تعبدي أو سلوكي أو معاشي؛ لأن كل عمل يقوم به المسلم بنيّة العبادة هو عمل مقبول عند الله يُجازى عليه, سواء كان عملا دنيويا أم أخرويا, وفي الحديث: "إن الله -تعالى- يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"(حسنه الألباني في صحيح الجامع:1880).

 

العلم باسم الله "البصير" يجعل المؤمن طيّب البال، مرتاح النفس، راضيا بقضاء الله وقدره، مهما ظلمه الظالمون أو أخطأ في حقه المخطئون، أو استهزأ به المستهزئون؛ فإن الله -سبحانه- مطلع على ذلك, قال الله لموسى وهارون -عليهما السلام- حينما أمرهما بالذهاب إلى فرعون: {إنَّني مَعَكُمَا أسْمَعُ وَأَرى} [طه:46]؛ فالله -تعالى- هو السميع البصير، وفي هذا عزاء للمؤمنين ومواساة للمظلومين.

 

وإن خشيته -تعالى- في السِّرِّ والعلانية، في الغَيب والشهادة هي أعظم ثمرة من إيماننا بأن الله يرانا على كلِّ حال؛ فكيف نَعْصيه مع عِلْمنا باطِّلاعه عليْنا؟! قال -تعالى-: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء:218-219].