اختر صفحة

إنّ أسلوب الترغيب والترهيب من أهم الأساليب التي حَرص السلف رحمهم الله على نشر الإسلام وتذكير الناس ووعظهم من خلاله، فَكَمْ من قلوب مقفلة، ونفوس غافلة، وهِمم خائرة، عُولِجت أدواؤها بالترغيب والترهيب.

وتظهر أهمية الترغيب والترهيب في مجال الوعظ من خلال ما يلي:

  • 1- أسلوب الترغيب والترهيب هو أصل أساليب الوعظ وأُسَّها، فكلّها تدور في محوره وتسير في فَلَكه، ولهذا نجد أكثر السلف يجعلون الترغيب والترهيب اسماً جامعاً للموعظة، وما ذاك إلّا لأنّ الأصل في الوعظ هو ترغيب الناس في طاعة ربهم، وترهيبهم من معصيته.

    وأشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
    ففي هذه الآيات بيان لهداية القرآن – وهي هداية إرشاد وبيان- وهي محصورة في الترغيب والترهيب.

  • 2- إنّ الترغيب والترهيب من أكثر أساليب الوعظ شمولية وتنوّعاً، وذاك لأنّ النفس البشرية مختلفة الطباع، منها ما يَجلِبُه الترهيب، ومنها ما يُخِيفه الترهيب ، بل إنّ حال الفرد الواحد تتقلب بين دواعي الترغيب ودواعي الترهيب.
  • 3- إنّ ممّا يوضِّح أهمية الترغيب والترهيب في مجال الوعظ أنّ القرآن الكريم والسنة النبويّة تزخران بالوعظ بالترغيب والتبشير وبيان يُسْر هذا الدين، وبالترهيب والتخويف ممّا يناقض هذا الدين ويضادّه.

    4- إنّ الوعظ بالترغيب والترهيب هو أساس دعوة الرسل عليهم السلام ، فما بُعِثَ الرسل عليهم السلام إلّا مبشرين ومنذرين، كما قال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ )

  • ففي هذه الآيات بيان للغرض من إرسال الرسل عليهم السلام وهو: الترغيب والترهيب».
  • 5- إنّ الوعظ بالترغيب والترهيب يعتبر أحد طرائق الإنكار والتأديب، وهو يأتي بعد درجة التعريف ، ولهذا كان الترغيب والترهيب من أعظم الأساليب التي تُزال بها المنكرات وتُحفظ بها الحدود، وتُعصَم بها النفوس والدماء والأموال.
    6- إنّ النفس البشرية تتطلّع دائماً إلى ما يحقق لها السعادة والنجاح، ويكفل لها الفوز والفلاح، فالإنسان مجبول على حب الخير والرغبة في الحصول على كلّ محبوب، كما أنّ النفس طُبِعت على بُغض الشرِّ وما يعود عليها بالضرر والهم والنكد.

    7- إنّ خلط الرغبة بالرهبة، والرجاء بالخوف، من أكمل صفات عباد الرحمٰن جلّ وعلا، وهي صفة أنبيائه ورسله عليهم السلام، فقد أثنى الله عز وجل على أنبيائه ورسله عليهم السلام لكمال رغبتهم ورهبتهم، فقال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)

    8- إنّ التواصي بعبادة الله رغبة ورهبة هي جِماع وصيّة السلف رحمهم الله، ومدار وعظهم ونصحهم، ويشهد لذلك وصيّة الصديق رضي الله عنه وموعظته، فعن عبد الله عن عُكَيْم قال: «خطبنا أبو بكر رضي الله عنه فقال: أما بعد: أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة فإنّ الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)

    9- إن الخوف والرجاء من أعظم مقامات السالكين، فبهما يصل العبد إلى كمال القوة العلمية والعملية التي يقطع بهما سفره إلى ربه ومولاه.

    فالرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيّتان بهما يقطع من طريق الآخرة كل عقبة كؤود ، فلا يقود إلى قرب الرحمٰن وروح الجنان مع كونه بعيد الأرجاء، ثقيل الأعباء محفوفاً بمكاره القلوب ومشاقّ الجوارح والأعضاء إلا أزمّة الرجاء، ولا يصدّ عن نار الجحيم والعذاب الأليم مع كونه محفوفاً بلطائف الشهوات وعجائب اللذات إلا سياط التخويف وسطوات التعنيف.

    10- إنّ الخوف والرجاء من أعظم الأدوية التي تُداوى بها عِلل القلوب وأدوائها، فأمراض القلوب بين أمرين :

    • إمّا أمن واغترار موجب للكسل.
    • أو يأس وقنوط موجب لترك العمل.

    فكان لا بد للواعظ الحصيف من تعاهد الموعوظين، وإمدادهم بالدوائين في كل حين.

    11- ومن أعظم الأمور الدالّة على أهمية الترغيب والترهيب في الوعظ هو أن الله عز وجل جعل الخوف من وعيده وعذابه ورجاء عفوه وإحسانه شرطاً في الانتفاع بالموعظة، فكلّما اشتدّ خوف العبد من الوعيد وكمل رجاؤه في وعد الله وعطائه عَظُمَ انتفاعه بما يوعظ به.

    وفي هذا المقام يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : «وأما تذكّر الوعد والوعيد فإنّ ذلك يوجب خشيته والحذر منه، ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به وخافه ورجاه، قال الله تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ) وقال تعالى (سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ) وقال جل ذكره (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا) وأصرح من ذلك قوله  تعالى (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ)

    فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر يستحيل حصوله بدونه».