اختر صفحة

ضرب السلف رحمهم الله أروع في الزهد والورع ، فطابقت فِعَالهم بذلك أقوالهم ، ومن صور هذا الزهد:

  • 1- التقلّل من ملاذ الدنيا:

هانت الدنيا في قلوب السلف رحمهم الله فأخذوا منها ما يقيم الصلب، ويستر البدن، وتركوا فضول المآكل والمشارب والملابس وغيرها.

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قالت حفصة بنت عمر لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين لو لبست ثوباً هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاماً هو أطيب من طعامك، فقد وسَّع الله عز وجل من الرزق، فقال: إني سأخصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه من شدة العيش، فما زال يذكرها حتى أبكاها فقال لها: والله إن قلت ذلك، أما والله لئن استطعت لأشاركنهما بمثل عيشهما الشديد، لعلي أدرك معهما عيشهما الرخي»([1]).

  • 2- الزهد فيما في أيدي الناس:

قَطَع السلف رحمهم الله الطمع في الخَلْق من قلوبهم ، وتعلّقوا بالرازق المعطي عز وجل.

 قال سفيان رحمه الله: «قيل لأبي حازم ما مالُك؟ قال: خير مالي ثقتي بالله تعالى ، وإياسي مما في أيدي الناس ».

 وعن الأصمعي قال: «وعظ عطاءُ بن أبي رباح عبد الملكَ بن مروان ، فلمّا همّ بالانصراف ، قال له: «يا أبا محمد : إنما سألت حوائج غيرك ، وقد قضيناها فما حاجتك؟ فقال : ما لي إلى مخلوق حاجة».

 عن عبد الرحمٰن بن عبد الله بن دينار قال : قال عمر رضي الله عنه لرجل: «أوصيك بتقوى الله ، فإنها ذخيرة الفائزين ، وحِرز المؤمنين ، وإياك والدنيا أن تَفتِنك ، فإنها قد فعلت ذلك بمن كان قبلك ، إنها تغرُّ المطمئنين إليها ، وتفجع الواثق بها ، وتُسلم الحريص عليها ، ولا تبقى لمن استبقاها ، ولا يُدفع التلف عنها من حواها ، لها مناظر بهجة ، ما قدمت منها أمامك لم يسبقك ، وما أخّرت منها خلفك لم يلحقك».

 وعن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: «إذا جاءت الدنيا إلى القلب ترحّلت الآخرة منه ، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تجيء الآخرة تزحمها لأن الدنيا لئيمة ، والآخرة عزيزة».

  • 1- تسلية المُصاب:

إنّ الدنيا دار بلاء ونَصَب ، فهي لا تصفو لأحد ، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً ، وما مُلِئَ بيت فرحة إلا مُلِئَ ترحة  وأفراحاً وأحزاناً وآهاتٍ وأشجاناً.

ومن السنّة تعزية المصاب وتسلِيَتُه عن فاجِعَته ، فعن عمرو بن حزم رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن يُعَزّي أخاه بمصيبة، إلّا كساه الله سبحانه من حُلَل الكرامة يوم القيامة».

والتعزية: هي التصبير ، وذكر ما يسلِّي صاحب المصيبة، ويخفف حزنه، ويهون مصيبته.

وهي مستحبة؛ لأنها مشتملة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وهي أيضاً داخلة في قول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ)

وقد بيّن السلف رحمهم ، الأحكام ، الله المتعلّقة بالتعزية ، أو تعلّق الأمر بوقتها ، أو بمكانها ، أو بكيفيتها.

 ولتعزية المصاب أصول التي سار عليها السلف رحمهم الله ، وهي مستمدة من كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)

وعن أم مسلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم تُصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلّا أخلف الله له خيراً منها».

وهي تدور على أصول الأصل :
الأصل الأول: أن يتحقّق العبد أنّ نفسه وأهله وولده ملك لله عز وجل حقيقة ، وقد جعلها الله عند العبد عارية ، يأخذها منه ، كمالمُعِير عاريته من مُستعيره.

الأصل الثاني: مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ، ولا بد أن يخلِّف الدنيا وراء ظهره ، استمرار ربه يوم القيامة فرداً.

الأصل الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر ، فما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الأصل الرابع: تذكّر عظيم الأجر الذي أعده الله لمن صبر على مصيبته ، فقد أعطى الله لمن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة.

الأصل الخامس: إطفاء نار المصيبة ببرد التأسّي بأهل المصائب، ففي كلّ عَصر ومِصر مصاب وهالك، ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

__________________________

([1]) رواه ابن المبارك في «الزهد»، ص201؛ وهناد في «الزهد» 2/361؛ وأبو نعيم في «الحلية» 1/48؛ والبيهقي في «الشعب» 5/159. قلت: وإسناده حسن.

([1]) رواه ابن المبارك في «الزهد» ، ص 201 ؛ وهناد في «الزهد» 2/361 ؛ وأبو نعيم في «الحلية» 1/48 ؛ والبيهقي في «الشعب» 5/159.قلت: وإسناده حسن.