اختر صفحة

أما بعد:

كثيرون يخافون منه،

كثيرون يفكرون فيه،

كثيرون يتألمون بسببه..

شلَّ حياتهم، أشغلَ أذهانهم، أقضَّ مضاجعهم، أجرى مدامعهم، وأفسدَ حاضرهم.

التخصصُ الجامعي، والوظيفةُ، والزواجُ، وتربيةُ الأولاد، والمسكنُ، وأمورٌ أخرى ستأتي فيه.. ضمنَ البقعةٍ المظلمةِ السوداءِ في أذهانِ هؤلاءِ الكثيرين.

  الخوفُ من المستقبل: مرضٌ يدبُّ دبيباً في طائفةٍ تحلمُ دونَ تخطيطٍ، وترسمُ دون أوراق، فتلتفتُ لنفسها المتقاعسةِ الكسولةِ وتسألها: ما مصيرُكِ غداً؟ وقد آثرتِ الراحةَ على التعب، والخمولَ على النصب، والبطالةَ على الجد والعمل.. وحينها يعود التفكيرُ خاسِئًا وهو حسير.. ليدخلَ في دوامةِ الخوفِ القاتلةِ من المستقبلِ الموهوم.

شبابٌ يخافون من تخصصٍ لا يستمرونَ فيه، ووظيفةٍ لا تغدق عليهم الأموال، وشابات يخفن من زواجٍ يكون عليهن ألماً وتعاسة، وأمومةٍ تضيّعُ المتعةَ وتجلبُ الشقاء.. فهم بين همٍّ وغمٍّ، وتشاؤمٍّ وقنوط، وإحباطٍ وخيبةِ أمل.

أيها القلقون الخائفون:

المستقبلُ الذي لا يصل بصرك إليه، ولا يحيط علمك به، إنما هو لحظاتٌ ثم لا يبقى مستقبلاً،

المستقبل كحصان ربطوا بظهره عصاً طويلةً ثم علّقوا فيها حزمةً من الحشيش وقالوا له: اسعَ لتدركها! فمهما سعى فلن يصل إليها لأنها معه مربوطةٌ به، تمشي إن مشى وتقف إن وقف.

فبعد كل مستقبل تهفو إليه.. ينشأُ مستقبلٌ جديدٌ لتفكر فيه، والخائفُ من المستقبل يظلُّ يتألم فلا يرجع له ماض، ولا ينجلي له آتٍ، ولا يثبت له حاضر!

والحق أن المستقبل إنما هو نتيجةُ عملِ الحاضرِ والثمرةُ الطبيعية له.

فبدل أن نخاف منه.. علينا أن نعملَ من أجله، وبدلَ أن تذهبَ أوقاتنا تفكيرا حول مآلنا فيه، فلتذهب الأوقات تخطيطًا لصنعِ حياةٍ طيبةٍ فيه.

ما مضى فات والمؤمل غيبٌ *** ولك الساعة التي أنت فيها

ولقد بعث الله إلينا نبياً كريماً لنا فيه أسوة حسنة؛ ما كان يخشى المستقبل أبداً، وهو القائل: (ما الفقر أخشى عليكم..) والقائل: (لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرني أن لا تمر عليّ ثلاث ليال وعندي منه شي، إلا شيء أرصده لدين).

بل كان يخطط له؛ حين كان يدّخرُ قوت سنته إذا جاءه شيء من الفيء، ويستشير في أمور الحرب، ويعمل بالأسباب مع التوكل على الله تعالى.

وربّى أمته على التفكير الناجع لضمان المستقبل فقال: (من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه وفرّق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدِّر له). سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 633)

ولذا .. يا عباد الله:

فإنّ على كل من يقلقه أمر المستقبل أن يزوّد نفسه في ظلمات مستقبله بمصباحين:

أولهما: مصباح الالتجاء إلى الله: طاعةً وانقيادًا، خضوعًا وعبودية؛ لأنه المالكُ الحقيقي للمستقبل، والمتصرف فيه كيف شاء جل جلاله..

{ولأنه قد وعد الطائعين المتقين سعادةَ الدنيا والآخرة {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ..

فاستمع أيها الحبيب القلق..  لهذه الآيات:

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]

{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2، 3]

{فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة: 38]

{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } [طه: 123، 124]

وفي الحديث القدسي الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَم! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) رواه الترمذي (2466) “السلسلة الصحيحة” (1359) .

ولا شك أن وَقودَ هذا المصباح الأول: هو التوكل على الله وكثرة الاستغفار ..

قال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3]

وفي الحديث يقُولُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “لَوْ أنَّكم تتوكَّلونَ عَلَى اللَّهِ حقَّ تَوكُّلِهِ لرزَقكُم كَما يرزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو (أي أول النهار) خِماصاً (أي ضَامِرةَ الْبُطونِ مِنَ الْجُوعِ) وترُوحُ (أي آخر النهار) بِطَاناً (أيْ مُمْتَلِئةَ الْبُطُونِ).” رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ.

بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية:

أما بعد:

فإن الحياة تحتاج لجد وكفاح، وإرادة وعزيمة، وعمل وهمة، والمصاعبُ لا يذللها إلا المثابرون، والعقباتُ لا يقطعها إلا الصابرون.

وهذا هو المصباح الثاني في ظلمات المستقبل المخوفة:

يمتلكه شابٌ – أوْ شابة – صبورٌ على الأهوال، جلدٌ على الصعاب، قويُّ الشكيمة، طويلُ النَفَس، محددُ الأهداف، طلّابٌ للمعالي..

لأستسهلنّ الصعب أو أدركَ المنى *** فما انقادت الآمال إلا لصابرِ

ويفتقد هذا المصباح: شابٌ – أو شابة – سريعُ الجزع، كثيرُ الملل، ضعيفُ التحمل، متشائمُ النظرة، كليلُ الهمة ..

والله تعالى قد علق الأمور بأسبابها، وأجرى الأمور بمقاديرها .. فهنيئا لمن أمسك بالمصباحين جميعاً ليرى طريق المستقبل بكل ثقة واطمئنان، وسعادة وفرح.

وسيبقى فاقدو المصابيح في خوفهم يعمهون، وبمستقبلهم يتشاءمون، فلا أخذوا من الماضي عبرته، ولا من الحاضر لذته، ولا من المستقبل جماله وسعادته..

و الكل مقبلون على المستقبل الحقيقي هناك: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت: 64]

وأسعد الناس بها.. أصحابُ المصباحين..

اللهم اهدنا فيمن هديت ..