اختر صفحة

 

إنّ معرفة السلف رحمهم الله بحقيقة الدنيا وخسّتها وسرعة زوالها ، وبحقيقة الآخرة وما فيها من نعيم مقيم لا ينفد حملهم على الزهد في الفاني والتعلّق بالباقي.

والوقوف على زهد السلف رحمهم الله يعدّ من أعظم المواعظ ، إذ المرء يتّعظ بحال غيره، وهو ما يندرج تحت الموعظة بلسان الحال.

فمدمن النظر في سيرهم وورعهم وزهدهم وعبادتهم، حريّ به أن يلحق بركبهم.

لقد فهم بعض الناس الزهد على حقيقته، فجعلوه في ترك الدنيا بالكليّة، والقعود عن العمل والكسب، والفرح بالفقر، ولباس الرث من الثياب، واعتزال الناس، كما فعلت الصوفية.

ولكن حقيقة الزهد عند السلف رحمهم الله ليس في اطِّراح الدنيا وهجرها، ولكن في إخراجها من القلوب، وعدم الانشغال بها عن الدار الآخرة.

فعن يونس بن حليس عن أبي مسلم الخولاني[1]:

أنّه قال: «ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يدي الله، أوثق مما في يديك،

وإذا أُصبت بمصيبة، كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من أنها لو بقيت لك»[2].

ومن أجمع ما عرِّف به الزهد أنّه: «سفر القلب من وطن الدنيا، وأخذه في منازل الآخرة».

 

  • وللزهد درجات ومراتب ذكرها الإمام أحمد فقال:

الزهد على ثلاثة أوجه :

الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام.

الثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص.

الثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين.

______________________________________

[1]  عبد الله بن ثوب أبو مسلم الخولاني الداراني، سيد التابعين، أسلم في أيام النبي ج ودخل المدينة في خلافة الصديق، ألقاه الأسود العنسي في النار فنجاه الله منها، كان حافظاً عالماً واعظاً، توفي زمن يزيد بن معاوية؛ سير أعلام النبلاء 4/7.

[2]  رواه ابن أبي عاصم في الزهد 1/18؛ وأبو سعيد في «الزهد وصفة الزاهدين»، ص20. قلت: وإسناده صحيح.